سلسلة عصير الكتب
((1))
عصير كتاب {النبأ العظيم }
كريم إمام السلفى
مؤلف
الكتاب : للشيخ الدكتور محمد عبد دراز العالم السنى
الأزهرى توفى عام 1958م
دار النشر
التى طبعه الكتاب : دار القلم بدولة الكويت
تعليقى
على الكتاب : كتاب من افضل الكتب التى تتكلم عن القرآن
ويثبت انه ليس كلام بشرى وليس كلام الرسول ولا نقله من علماء بل هو كلام الله
المعجز والكتاب يدل ان صاحبه عالم ربانى
متميز من بقية السلف رحمه الله رحمة واسعة
وليس لدى أي ملاحظات على الكتاب
لمن هذا الكتاب :
قال المؤلف:
لا يتطلب في قارئ هذا الكتاب أن يكون منضوياً تحت راية معينة، ولا معتنقاً لمذهب معين،
ولا يفترض فيه تخصصاً في ثقافة معينة، ولا حصولاً على مؤهل معين، بل غاية ما يبغيه
من قارئه أن يعود بنفسه صفحة بيضاء، إلا من فطرة سليمة، وحاسة مرهفة، ورغبة صادقة في
الوصول إلى الحق في شأن هذا القرآن؛ ما يعني أن الاستفادة من هذا الكتاب لا تحصل إلا
لمن أقبل على قراءته غيرَ معتنق لأفكار مسبقة، تكون حاجزاً بينه وبين ما جاء فيه من
حقائق. (ص 8 )
تحديد معنى القران
"القرآن
هو كلام الله تعالى، المنزل على محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المتعبد
بتلاوته". (ص 14)
روعي في
تسميته قرآنًا كونه متلوًّا بالألسن، كما
روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا
بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه. (ص 12)
طرق حفظ القران
وفي تسميته
بهذين الاسمين (الكتاب والقران )إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضوعين لا
في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر
إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب،
المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة لنا
بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.(ص 13)
سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف، دون الكتب
السابقة
والسر في
هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن
هذا القرآن جيء به مصدقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لما
فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًّا مسدها،
ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى
الله أمرًا يسر له أسبابه، وهو الحكيم العليم.(ص13_14)
أقسام الحديث من حيث المعنى
قسم
توفيقي" استنبطه النبي بفهمه في كلام الله أو بتأمله في حقائق الكون، وهذا
القسم ليس كلام الله قطعًا. و"قسم توقيفي" تلقى الرسول -صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مضمونه من الوحي فبينه للناس بكلامه. وهذا القسم وإن كان ما
فيه من العلوم منسوبًا إلى معلمه وملهمه
سبحانه،
لكنه -من حيث هو كلام- حري بأن ينسب إلى الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأن
الكلام إنما ينسب إلى واضعه وقائله (ص 15)
تعريف الحديث القدسى
الحديث
القدسي إن قلنا: إنه منزل بمعناه فقط، وهذا هو أظهر القولين فيه عندنا؛ لأنه لو
كان منزلًا بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني، إذ
لا وجه للتفرقة بين لفظين منزلين من عند الله. (ص 16 )
عمل محمد بعد نزول القران
"1"
الوعي والحفظ، ثم "2" الحكاية والتبليغ، ثم "3" البيان
والتفسير، ثم "4" التطبيق والتنفيذ.( ص 20 )
ومن أدلة ان القران ليس من عند محمد
فترة الوحي
في حادث الإفك:
ألم يرجف
المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة -رضي الله عنها- وأبطأ الوحي، وطال الأمر
والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ
واحتراس: "إني لا أعلم عنها إلا خيرًا" 1 ثم إنه بعد أن بذل جهده في
التحري والسؤال واستشارة الأصحاب، ومضى شهر بأكمله والكل يقولون: ما علمنا عليها
من سوء. لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: "يا عائشة، أما إنه بلغني كذا
وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله" ..... فماذا
كان يمنعه -لو أن أمر القرآن إليه- أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل ليحمي بها
عرضه ويذب بها عن عرينه وينسبها إلى الوحي السماوي لتنقطع ألسنة المتخرصين؟ (ص 24)
ومن أدلة ان القران ليس من عند محمد
مخالفة
القرآن لطبع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعتابه الشديد له في
المسائل المباحة:
وأخرى كان
يجيئه القول فيها على غير ما يحبه ويهواه. فيخطئه في الرأي يراه. ويأذن له في الشيء
لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرًا تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد، والعتاب
القاسي، والنقد المر، حتى في أقل الأشياء خطرًا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ
تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} سورة
التحريم ، {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ
وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} سورة
الأحزاب ، {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} سورة التوبة
...... أرأيت
لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وُجدانه، معبرة عن ندمه ووخز ضميره حين
بدا له خلاف ما فرط من رأيه. أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع؟ ألم يكن
له في السكوت عنها ستر على نفسه، واستبقاء لحرمة آرائه؟ بلى؛ إن هذا القرآن لو كان
يفيض عن وجدانه لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئًا من ذلك الوجدان، ولو كان
كاتمًا شيئًا لكتم أمثال هذه الآيات، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه {وَمَا هُوَ
عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} (ص25)
ومن أدلة ان القران ليس من عند محمد
توقف الرسول
-أحيانًا- في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان:
ولقد كان
يجيئه الأمر بالقول المجمل أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله
حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد. قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلامًا لا
يفهم هو معناه، وتأمره أمرًا لا يعقل هو حكمته؟ أليس ذلك من الأدلة الواضحة على
أنه ناقل لا قائل، وأنه مأمور لا آمر؟ (ص 28)
ومن أدلة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم :
لما توفي
عثمان بن مظعون -رضي الله عنه- قالت أم العلاء -امرأة من الأنصار: رحمة الله عليك
أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: "وما يدريك أن الله أكرمه" ؟! فقال: بأبي أنت يا رسول الله،
فمن يكرمه الله؟ قال: "أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير.
والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي" . قالت: فو الله لا أزكي أحدًا
بعده أبدًا2. رواه البخاري والإمام أحمد. ومصداقه في كتاب الله تعالى: {قُلْ مَا
كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} سورة
الأحقاف.أتراه لو كان حين يتحامى الكذب يتحاماه دهاءً وسياسة، خشية أن يكشف الغيب
قريبًا أو بعيدًا عن خلاف ما يقول، ما الذي كان يمنعه أن يتقول ما يشاء في شأن ما
بعد الموت وهو لا يخشى من يراجعه فيه، ولا يهاب حكم التاريخ عليه؟! بل منعه الخلق
العظيم، وتقدير المسئولية الكبرى أمام حاكم آخر أعلى من التاريخ وأهله
{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ،
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} سورة الأعراف (ص 34)
أمثلة من النبوءات القرآنية
ما جاء في
بيان أن هذا الدين قد كتب الله له البقاء والخلود، وأن هذا القرآن قد ضمن الله
حفظه وصيانته {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا
الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي
الأَرْضِ} سورة الرعد {إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} سورة الحجر أتعلم متى وأين صدرت هذه البشارات المؤكدة، بل
العهود الوثيقة؟
إنها آيات
مكية من سور مكية. وأنت قد تعرف ما أمر الدعوة المحمدية في مكة؟. عشر سنوات كلها
إعراض من قومه عن الاستماع لقرآنه، وصد لغيرهم عن الإصغاء له، واضطهاد وتعذيب لتلك
الفئة القليلة التي آمنت به، ثم مقاطعة له ولعشيرته ومحاصرتهم مدة غير يسيرة في
شعب من شعاب مكة، ثم مؤامرات سرية أو علنية على قتله أو نفيه. فهل للمرء أن يلمح
في ثنايا هذا الليل الحالك الذي طوله عشرة أعوام، شعاعًا ولو ضئيلًا من الرجاء أن
يتنفس صبحه عن الإذن لهؤلاء المظلومين برفع صوتهم وإعلان دعوتهم؟ ولو شام المصلح
تلك البارقة من الأمل في جوانب نفسه من طبيعة دعوته، لا في أفق الحوادث، فهل يتفق
له في مثل هذه الظروف أن يربو في نفسه الأمل حتى يصير حكمًا قاطعًا؟ وهبه امتلأ
رجاءً بظهور دعوته في حياته ما دام يتعهدها بنفسه، فمن يتكفل له بعد موته ببقاء
هذه الدعوة وحمايتها وسط أمواج المستقبل العاتية؟ وكيف يجيئه اليقين في ذلك وهو
يعلم من عبر الزمان ما يفت في عضد هذا اليقين؟ فكم من مصلح صرخ بصيحات الإصلاح فما
لبثت أصواته أن ذهبت أدراج الرياح. وكم من مدينة قامت في التاريخ ثم عفت ودرست
آثارها. وكم من نبي قتل. وكم من كتاب فُقد أو انتُقص أو بُدل.
....... فلا
بد إذًا من كفيل بهذا الحفظ من خارج نفسه. ومن ذا الذي يملك هذا الضمان على الدهر
المنقلب المملوء بالمفاجآت؟ إلا رب الدهر الذي بيده زمام الحوادث كلها، والذي قدر
مبدأها ومنتهاها، وأحاط علمًا بمجراها ومرساها. فلولا فضل الله ورحمته الموعود
بهما في الآية الآنفة لما استطاع القرآن أن يقاوم تلك الحروب العنيفة التي أقيمت
ولا تزال تقام عليه بين آن وآن.
سل التاريخ:
كم مرة تنكر الدهر لدول الإسلام، وتسلط الفجار على المسلمين فأثخنوا فيهم القتل،
وأكرهوا أممًا منهم على الكفر، وأحرقوا الكتب، وهدموا المساجد، وصنعوا ما كان يكفي
القليل منه لضياع هذا القرآن؛ كُلًّا أو بعضًا؛ كما فعل بالكتب قبله؛ لولا أن يد
العناية تحرسه فبقي في وسط هذه المعامع رافعًا راياته، وأعلامه. حافظًا آياته
وأحكامه، بل اسأل صحف الأخبار اليومية: كم من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة
تنفق في كل عام لمحو هذا القرآن وصد الناس عن الإسلام بالتضليل والبهتان والخداع
والإغراء، ثم لا يظفر أهلها من وراء ذلك إلا بما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}سورة
الأنفال ( ص42)
أمثلة من النبوءات القرآنية
ما جاء في
التحدي بهذا القرآن وتعجيز العالم كله عن الإتيان بمثله {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ
الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا
يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} سورة الإسراء {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا}
سورة البقرة.
فانظر هذا
النفي المؤكد، بل الحكم المؤبد! هل يستطيع عربي يدري ما يقول أن يصدر هذا الحكم
وهو يعلم أن مجال المساجلات بين العرب مفتوح على مصراعيه ألم يكن يخشى بهذا التحدي
أن يثير حميتهم الأدبية فيهبوا لمنافسته وهم جميع حذرون؟ وماذا عساه يصنع لو أن
جماعة من بلغائهم تعاقدوا على أن يضع أحدهم صيغة المعارضة، ثم يتناولها سائرهم
بالإصلاح والتهذيب كما كانوا يصنعون في نقد الشعر، فيكمل ثانيهم ما نقصه أولهم، وهكذا،
حتى يخرجوا كلامًا إن لم يبزه فلا أقل من أن يساميَه ولو في بعض نواحيه؟ ثم لو
طوعت له نفسه أن يصدر هذا الحكم على أهل عصره فكيف يصدره على الأجيال القادمة إلى
يوم القيامة، بل على الإنس والجن؟ إن هذه مغامرة لا يتقدم إليها رجل يعرف قدر نفسه
إلا وهو مالئٌ يديه من تصاريف القضاء، وخبر السماء (ص 45)
أمثلة من النبوءات القرآنية
تلك الآية التي يضمن الله بها لنبيه حماية شخصه
والأمن على حياته حتى يبلِّغَ رسالات ربه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} سورة المائدة إن هذا وايم الله -ضمان لايملكه
بشر، ولو كان مَلَكًا محجبًا تسير الحفظة من بين يديه ومن خلفه. فكم رأينا ورأى
الناس من الملوك والعظماء من اختطفتهم يد الغيلة وهم في مواكبهم تحيط بهم الجنود
والأعوان. ولكن انظر مبلغ ثقة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بهذا
الوعد الحق: روى الترمذي والحاكم عن عائشة، وروى الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال:
كان النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحرس بالليل، فلما نزلت هذه الآية
ترك الحرس وقال: "يأيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله" صحيح الترمذى.
وحقًّا لقد
عصمه الله منهم في مواطن كثيرة كان خطر الموت فيها أقرب إليه من شراك نعله، ولم
يكن له فيها عاصم إلا الله وحده. من ذلك ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة،
ورواه مسلم في صحيحه عن جابر قال: كنا إذا أتينا في سفرنا على شجرة ظليلة تركناها
لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلما كنا بذات الرقاع نزل نبي
الله تحت شجرة وعلق سيفه فيها. فجاء رجل من المشركين فأخذ السيف فاخترطه وقال للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
أتخافني؟ قال: "لا". قال: فمن
يمنعك مني؟ قال: "الله يمنعني منك، ضع السيف" فوضعه.
وحسبك أن
تعلم أن هذا الأمن كان في الغزوة التي شرعت فيها صلاة الخوف.
ومن أعظم
الوقائع تصديقًا لهذا النبأ الحق ذلك الموقف المدهش الذي وقفه النبي -صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في غزوة حنين، منفردًا بين الأعداء، وقد انكشف
المسلمون وولوا مدبرين، فطفق هو يركض ببغلته إلى جهة العدو، والعباس بن عبد المطلب
آخذ بلجامها يكفها إرادة ألا تسرع، فأقبل المشركون إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلما غشوه لم يفر ولم ينكص، بل نزل عن بغلته كنما يمكنهم من
نفسه، وجعل يقول: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" كأنما يتحداهم ويدلهم على مكانه، فو الله ما
نالوا نيلًا، بل أيده الله بجنده، وكف عنه أيديهم بيده. رواة الشيخان (ص 46 )
أمثلة من النبوءات القرآنية
كان المشركون يجادلون المسلمين في مكة قبل
الهجرة، يقولون لهم: إن الروم يشهدون أنهم أهل كتاب، وقد غلبتهم المجوس، وأنتم
تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل عليكم، فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم؛
فنزلت الآية {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ
غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} سورة الروم لقد كان الإخبارُ بهذا
النصر وبأنه كائن في وقت معين إخبارًا بأمرين كل منهما خارج عن متناول الظنون، ذلك
أن دولة الروم كانت قد بلغت من الضعف حدًّا يكفي من دلائله أنها غزيت في عقر دارها
وهزمت في بلادها كما قال تعالى: {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} ، فلم يكن أحد يظن أنها
تقوم لها بعد ذلك قائمة، فضلًا عن أن يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر؛ ولذلك
كذب به المشركون وتراهنوا على تكذيبه، على أن القرآن لم يكتف بهذين الوعدين، بل
عززهما بثالث، حين يقول: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ
اللَّهِ} إشارة إلى أن اليوم الذي يكون فيه النصر هناك للروم على الفرس سيقع فيه
ها هنا نصر للمسلمين على المشركين، وإذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته
مستبعدًا عند الناس أشد الاستبعاد فكيف الظن بوقوعهما مقترنين في يوم؟ لذلك أكده
أعظم التأكيد بقوله: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
ولقد صدق الله وعده، فتمت للروم الغلبة على الفرس، بإجماع المؤرخين في أقل
من تسع سنين . وكان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين
في غزوة بدر الكبرى، كما رواه الترمذي عن أبي سعيد، ورواه الطبري عن ابن عباس
وغيره.
((رب قائل
يقول: هلا حدد القرآن عدد السنين بلفظ أصرح من لفظ البضع المتراوح بين الثلاث
والتسع، أليس الله بأعلم بيوم النصر وساعته، بله سنته؟ فنقول: بلى، ولكن الناس في
اصطلاحهم الحسابي لا يجرون على طريقة واحدة، فمنهم من يحسب الشمس، ومنهم من يحسب
القمر، ومنهم من يكمل الكسور، ومنهم من يلغيها، فكان مقتضى الحكمة التعبير باللفظ
الصادق على كل تقدير ليكون أقطع لكل شبهة، وأبعد عن كل جدل ومكابرة، ثم إنه ربما تراخى
الأمر بين بشائر النصر ووقائعه الفاصلة فيقع اختلاف الحسابين في تعيين الوقت الذي
يضاف إليه النصر والغلبة. ولذا حسن التعبير بلفظ "في بضع" دون أن يقال:
بعد بضع.)) (ص 49 )
أمثلة من النبوءات القرآنية
استعصى أهل
مكة على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فدعا عليهم بسنين كسني يوسف،
فانظر ما قاله القرآن في جواب هذا الدعاء: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ
بِدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} سورة الدخان فماذا جرى؟ أصابهم القحط حتى أكلوا العظام،
وحتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد. رواه
البخاري عن ابن مسعود. ثم انظر قوله بعد ذلك: {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ
قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا
مُنْتَقِمُونَ} تَرَ فيها ثلاث نبوءات
أخرى: كشف البؤس عنهم، ثم عودتهم إلى مكرهم السيئ، ثم الانتقام منهم بعد ذلك، وقد
كان ذلك كله كما بينه الحديث الصحيح المذكور، (ص 50)
أمثلة من النبوءات القرآنية
قوله في شأن
الرجل الزنيم الذي كان يقول في القرآن:
إنه أساطير الأولين {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} فأصيب بالسيف
في أنفه يوم بدر. وكان ذلك علامة له يعيَّر بها ما عاش. رواه الطبري وغيره عن ابن
عباس. (ص 51 )
النبوءات القرآنية دليل ان القران كلام الله
انظر إلى
عجيب شأن النبوءات القرآنية كيف تقتحم حجب المستقبل قريبًا وبعيدًا، وتتحكم في
طبيعة الحوادث توقيتًا وتأييدًا، وكيف يكون الدهر مصداقًا لها فيما قل وكثر، وفيما
قرب وبعد؟
ثم اسأل
نفسك بعد ذلك "أترين هذا الرجل الأمي جاء بهذا الحديث كله من عند نفسه؟"
(ص 53)
هل علم محمد نفسه
إن صاحب هذا القرآن لم يكن ممن يرجع بنفسه إلى
كتب العلم ودواوينه، لأنه باعتراف الخصوم كما ولد أميًّا نشأ أميًّا وعاش أميًّا،
فما كان يومًا من الأيام يتلو كتابًا في قرطاس ولا يخطه بيمينه، فلا بد له من معلم
يكون قد وقفه على هذه المعاني لا بطريق الكتابة والتدوين بل بطريق الإملاء
والتلقين، هذا هو حكم المنطق.(
ص 56 )
هل تعلم محمد من قومه
أن محمدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
لم يكن له معلم من قومه الأميين فذلك ما لا شبهة فيه لأحد، ولا نحسب أحدًا في حاجة
إلى الاستدلال عليه بأكثر من اسم "الأمية" الذي يشهد عليهم بأنهم كانوا
خرجوا من بطون أمهاتهم لا يعلمون من أمر الدين شيئًا، وكذلك اسم
"الجاهلية" الذي كان أخص الألقاب بعصر العرب قبل الإسلام، فهؤلاء الذين
فقدوا أساس هذا العلم في أنفسهم حتى اشتُق لهم من الجهل اسم، كيف يحملون وسام
التعليم فيه لغيرهم (ص 56 )
هل تعلم محمد من عالم من العلماء ؟ من الصين أو الإغريق
أو حتى عالم عربى له علم بعلومهم ؟
فحسب الباحث
فيه أن نحيله على التاريخ وندعه يقلب صفحات القديم منه والحديث، والإسلامي منه
والعالمي، ثم نسأله: هل قرأ فيه سطرًا واحدًا؟ يقول: إن محمد بن عبد الله بن عبد
المطلب لقي قبل إعلان نبوته فلانًا من العلماء فجلس إليه يستمع من حديثه عن علوم
الدين، ومن قصصه عن الأولين والآخرين.
ليس علينا
أن نقيم برهانًا أكبر من هذا التحدي لإثبات أن ذلك لم يكن، وإنما على الذين يزعمون
غير ذلك أن يثبتوا أن ذلك قد كان، فإن كان عندهم علم فليخرجوه لنا إن كانوا صادقين
(ص 57 )
إدعى البعض أنه تعلم من بحيرا الراهب أو ورقة بن نوفل
فنحن قد
نعرف أنه رأى في طفولته راهبًا اسمه بحيرا في سوق بُصرَى بالشام، وأنه لقي في مكة
نفسها عالمًا اسمه ورقة بن نوفل، وكان هذا على إثر مجيء الوحي العلني، له وقبل
إعلان نبوته بثلاثين شهرًا، كما نعرف أنه لقي بعد إعلان نبوته كثيرًا من علماء
اليهود والنصارى في المدينة. ولكننا ندعي دعوى محدودة، نقول: إنه لم يتلقَّ عن أحد
من هؤلاء العلماء لا قبل ولا بعد، وإنه قبل نبوته لم يسمع منهم شيئًا من هذه
الأحاديث البتة. فإن لقائه إياهم لم يكن سرًّا مستورًا، بل كان معه في كل مرة
شاهد: فكان عمه أبو طالب رفيقًا له حين رأى راهب الشام، وكانت زوجه خديجة رفيقة له
حين لقي ورقة، فماذا سمعه هذان الرفيقان من علوم الأستاذين؟ هلا حدثنا التاريخ
بخبر ما جرى؟ وما له لا يحدثنا هذا
يحدثنا هذا
الحديث العَجَب الذي جمع في تلك اللحظة القصيرة علوم القرآن وتفاصيل أخباره فيما
بين بداية العالم ونهايته!! ولماذا لم يتخذ خصومه من هذه الحجة الواضحة سلاحًا
قاطعًا لحجته مع شدة سعيهم في هدم دعواه، والتجائهم لأوهن الشبهات في تكذيبه، وقد
كان هذا السلاح أقرب إليهم، وكان وحده أمضى في إبطال أمره من كل ما لجأوا إليه من
مهاترة ومكابرة.
إن سكوت
التاريخ عن ذلك كله حجة كافية على عدم وجوده؛ لأنه ليس من الهنات الهينات التي
يتغاضى عنها الناس الواقفون لهذا الأمر بالمرصاد.
على أن
التاريخ لم يسكت، بل نبأنا بما كان من أمر الرجلين: فقد حدثنا عن راهب الشام أنه
لما رأى هذا الغلام رأى فيه من سيما النبوة الأخيرة وحليتها في الكتب الماضية ما
أنطقه بتبشير عمه قائلًا: إن هذا الغلام سيكون له شأن عظيم. وحدثنا عن ورقة أنه
لما سمع ما قصه عليه النبي من صفة الوحي وجد فيها من خصائص الناموس الذي نزل على
موسى ما جعله يعترف بنبوته ويتمنى أن يعيش حتى يكون من أنصاره. فمن عرف للتاريخ
حرمته وآمن بوقائعه كما هي، كانت هذه الوقائع حجة لنا عليه، ومن لم يستحِ أن يزيد
في التاريخ حرفًا من عنده فيقول: إن محمدًا ضم السماع إلى اللقاء فليتقول ما يشاء،
وليعلم أنه سوف يُخرج لنا بهذه الزيادة تاريخًا متناقضًا يكذب أوله آخره، وآخره
أوله؛ إذ كيف يعقل أن رجلًا رأى علامات النبوة في امرئ فبشره بها قبل وقوعها، أو
آمن بها بعد وقوعها، تطاوعه نفسه أن يقف من صاحب هذه النبوة موقف المرشد المعلم!
فأين يذهبون؟! ( ص 58 )
هل علم محمد صل الله عليه وسلم أحد من البشر ؟
فنقول لمن
يزعم أن محمدًا كان يعلمه بشر: قل لنا ما اسم هذا المعلم! ومن ذا الذي رآه وسمعه؟
وماذا سمع منه؟ ومتى كان ذلك؟ وأين كان؟ فإن كلمة "البشر" تصف لنا هذا
العالم الذين يمشون على الأرض مطمئنين؛ ويراهم الناس غادين ورائحين، فلا تسمع
دعواها بدون تحديد وتعيين، بل نقول: هل
ولد هذا النبي في المريخ، أو نشأ في مكان قصي عن العالم، فلم يهبط على قومه إلا
بعد أن بلغ أشده واستوى. ( ص 63 )
السبب فى عدم قبول الحق عند الملحدين ؟
الحق أن هناك مانعًا آخر يعقوه عن متابعة السير
معنا، ولكنهم يكتمونه عنا: كبر في صدورهم أن يعطوا مقادتهم لإنسان جاءهم من فوق
رءوسهم يزعم أنه رسول الله إليهم، فيأمرهم وينهاهم ويستوجب الطاعة عليهم، ثم هو
على ذلك يواجههم بالحقائق المرة، فيحول بينهم وبين ماض هم به مستمسكون، وهوى هم له
عابدون {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} فلنذرهم قاعدين حيث رضوا لأنفسهم القعود.
ولنتابع البحث عن هذا الحق راغبين إلى الله في الهدى إليه، وإنا إن شاء لله
لمهتدون. ( ص 70 )
كلامنا موجه لمن يبحث عن الحق وليس غيره
ليس من
شأننا أن نُسمع الصم أو نهدي العمي ولا الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم فإذا هم لا
يسمعون، أو يضعون أكفهم على أعينهم فإذا الشمس الطالعة ليست بطالعة... وإنما
سبيلنا أن ننصب الحجة لجاهلها من طلاب الحق، ونوضح الطريق لسابلها من رواد اليقين. (ص 78)
دعوة لمن يبحث عن الحق ويريد دليل ان القرآن كلام الله
ها نحن
أولاء ندعو كل من يطلب الحق بإنصاف، أن ينظر معنا في القرآن من أي النواحي أحب: من
ناحية أسلوبه، أو من ناحية علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالم وغيَّر
به وجه التاريخ، أو من تلك النواحي مجتمعة -على أن يكون له الخيرة بعد ذلك أن ينظر
إليه في حدود البيئة والعصر الذي ظهر فيه، أو يفترض أنه ظهر في أرقى الأوساط
والعصور التاريخية. وسواء علينا أيضًا أن ينظر إلى شخصية الداعي الذي جاء به أو
يلتمس شخصًا خياليًّا تجمعت فيه مَرانات الأدباء، وسلطات الزعماء، ودراسات العلماء
بكافة العلوم الإنسانية ثم نسأله: هل يجد فيه إلا قوة شاذة تغلب كل مغالب، وتتضاءل
دونها قوة كل عالم، وكل زعيم، وكل شاعر وكاتب، ثم تنقضي الأجيال والأحقاب ولا
ينقضي ما فيه من عجائب، بل قد تنقضي الدنيا كلها ولما يحط الناس بتأويل كل ما فيه ( ص 78)
الرد على من ظن أنه يستطيع الأتيان بمثل هذا القرآن
فأما إن كان
مثار الشبهة عنده أنه زاول شيئًا من صناعة الشعر أو الكتابة، وآنس من نفسه
اقتدارًا في البيان فوسوس له شيطان الإعجاب بنفسه والجهل بالقرآن أنه يستطيع
الإتيان بمثل أسلوبه، فذلك ظن لا يظنه بنفسه أحد من الكبار المنتهين، وإنما يعرض
-إن عرض- للأغرار الناشئين.
ومثل هذا
دواؤه عندنا نصح نتقدم به إليه أن يطيل النظر في أساليب العرب، وأن يستظهر على
فهمها بدراسة طرف من علوم الأدب، حتى تستحكم عنده ملكة النقد البياني، ويستبين له
طريق الحكم في مراتب الكلام وطبقاته، ثم ينظر في القرآن بعد ذلك.
..... فإن
أبى المغرور إلا إصرارًا على غروره، وكبُر عليه أن يُقر بعجزه وقصوره، دعوناه إلى
الميدان ليجرب نفسه ويبرز قوته، وقلنا له: أخرج لنا أحسن ما عندك لننظر أصدقت أم
كنت من الكاذبين .... وإن في التاريخ لَعِبَرًا تؤثَر عن أناس
حاولوا مثل هذه المحاولة؛ فجاءوا في معارضة القرآن بكلام لا يشبه القرآن ولا يشبه
كلام أنفسهم؛ بل نزلوا إلى ضرب من السخف والتفاهة بادٍ عَوارُه، باقٍ عارُه
وشَنارُه: فمنهم عاقلٌ استحيا أن يُتم تجربته، فحطم قلمه ومزق صحيفته. ومنهم ماكر
وجد الناس في زمنه أعقل من أن تروج فيهم سخافاته، فطوى صحفه وأخفاها إلى حين . ومنهم
طائش برز بها إلى الناس، فكان سخرية للساخرين ومثلًا للآخرين .
فمن حدثته
نفسه أن يعيد هذه التجربة مرة أخرى فلينظر في تلك العبر وليأخذ بأحسنها، ومن لم
يستحِ فليصنع ما يشاء. (ص
83)
الرد على من ظن انه أديب متواضع لا
يستطيع ان يأتى بمثل هذا القران ولكم
يستطيع غيره من الفحول
وأما إن كان
مدخل الشبهة عنده أنه رأى في الناس من هو أعلى منه كعبًا في هذه الصناعة، فقال في
نفسه: "لئن لم أكن أنا من فرسان هذا الميدان، ولم يكن لي في معارضة القرآن
يدان، لعل هذا الأمر يكون يسيرًا على من هو أفصح مني لسانًا وأسحر بيانًا"
فمثل هذا نقول له: ارجع إلى أهل الذكر من أدباء عصرك فاسألهم هل يقدرون أن يأتوا
بمثله؟ فإن قالوا لك: "لو نشاء لقلنا مثل هذا" فقل: "هاتوا
برهانكم!" وإن قالوا: "لا طاقة لنا به" فقل: أي شيء أكبر من العجز
شهادة على الإعجاز؟
ثم ارجع إلى
التاريخ فاسأله: ما بال القرون الأولى؟ ينبئك التاريخ أن أحدًا لم يرفع رأسه أمام
القرآن في عصر من أعصاره، وأن بضعة النفر الذين أنغضوا رءوسهم إليه باءوا بالخزي
والهوان، وسحب الدهر على آثارهم ذيل النسيان. (ص 83 )
الرد على من ظن البعض أن عدم معارضة العرب لأسلوب القرآن
ربما كان بسبب انصرافهم لا بسبب عجزهم
فإن قال
لنا: نعم، قد علمتُ أنه لم يأتِ أحد بشيء في معارضة القرآن، ولكن ليس كل ما لم
يفعله الناس يكون خارجًا عن حدود قدرتهم، فربما ترك الإنسان فعلًا هو من جنس
أفعاله الاختيارية لعدم قيام الأسباب التي من شأنها أن تبعث عليه قلنا له: هذه
الفروض كلها لا تنطبق على موضوعنا بحال.
أما الأول:
فإن الأسباب الباعثة على المعارضة كانت موفورة متضافرة، وأي شيء أقوى في استثارة
حمية خصمك من ذلك التقريع البليغ المتكرر الذي توجهه إليه معلنًا فيه عجزه عن
مضاهاة عملك؟ إن هذا التحدي كافٍ وحده في إثارة حفيظة الجبان وإشعال همته للدفاع
عن نفسه بما تبلغه طاقته، فكيف لو كان الذي تتحداه مجبولًا على الأنفة والحمية؟
وكيف لو كان العمل الذي تتحداه به هو صناعته التي بها يفاخر، والتي هو فيها المدرب
الماهر؟ وكيف لو كنت مع ذلك ترميه بسفاهة الرأي وضلال الطريق؟ وكيف لو كنت تبتغي
من وراء هذه الحرب الجدلية هدم عقائده، ومحو عوائده وقطع الصلة بين ماضيه
ومستقبله؟
وأما
الثاني: فإن هذه الأسباب قد رأيناها آتت بالفعل ثمراتها، وأيقظت همم المعارضين إلى
أبعد حدودها. حتى كان أمر محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والقرآن هو
شغلهم الشاغل، وهمهم الناصب، فلم يدعوا وسيلة من الوسائل لمقاومته باللطف أو
بالعنف إلا استنبطوها وتذرعوا بها: أيخادعونه عن دينه ليلين لهم ويركن قليلًا إلى
دينهم أم يساومونه بالمال والملك ليكف عن
دعوته ، أم يتواصون بمقاطعته، وبحبس الزاد عنه وعن عشيرته الأقربين حتى يموتوا
جوعًا أو يسلموه ، أم يمنعون صوت القرآن أن يخرج من دور المسلمين خشية أن يسمعه
أحد من أبنائهم ، أم يلقون فيه الشبهات والمطاعن، أم يتهمون صاحبه بالسحر والجنون
ليصدوا عنه من لا يعرفه من القبائل القادمة في المواسم، أم يمكرون به ليثبتوه أو
يقتلوه أو يخرجوه4، أم يخاطرون بمهجهم وأموالهم وأهليهم في محاربته، أفكان هذا كله
تشاغلًا عن القرآن وقلة عناية بشأنه؟! ثم لماذا كل هذا وهو قد دلهم على أن الطريق
الوحيد لإسكاته هو أن يجيئوه بكلام مثل الذي جاءهم به؟ ألم يكن ذلك أقرب إليهم
وأبقى عليهم لو كان أمره في يدهم؟ ولكنهم طرقوا الأبواب كلها إلا هذا الباب، وكان
القتل والأسر والفقر والذل كل أولئك أهون عليهم من ركوب هذا الطريق الوعر الذي
دلهم عليه. فأي شيء يكون العجز إن لم يكن هذا هو العجز. (ص 87 )
الرد على من ظن أن القرآن إن كان معجزًا فليس إعجازه من
ناحيته اللغوية؛ لأنه لم يخرج عن لغة العرب في مفرداته ولا في قواعد تركيبه
فإن قال: قد
تبينتُ الآن أن سكوت الناس عن معارضة القرآن كان عجزًا وأنهم وجدوا في طبيعة
القرآن سرًّا من أسرار الإعجاز يسمو به عن قدرتهم. ولكني لست أفهم أن ناحيته
اللغوية يمكن أن تكون من مظان هذ السر؛ لأني أقرأ القرآن فلا أجده يخرج عن معهود
العرب في لغتهم العربية: فمن حروفهم رُكِّبَتْ كلماتُه. ومن كلماتهم أُلفت جمله
وآياته، وعلى مناهجهم في التأليف جاء تأليفه، فأي جديد في مفردات القرآن لم يعرفه
العرب من موادها وأبنيتها؟ وأي جديد في تركيب القرآن لم تعرفه العرب من طرائقها
ولم تأخذ به في مذاهبها، حتى نقول: إنه قد جاءهم بما فوق طاقتهم اللغوية؟
قلنا له:
أما أن القرآن الكريم لم يخرج في لغته عن سنن العرب في كلامهم إفرادًا وتركيبًا
فذلك في جملته حق لا ريب فيه، وبذلك كان أدخل في الإعجاز، وأوضح في قطع الأعذار
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ
أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ}
وأما بعد،
فهل ذهب عنك أن مثل صنعة البيان كمثل صنعة البنيان، فالمهندسون البناءون لا يخلقون
مادة بناء لم تكن في الأرض، ولا يخرجون في صنعتهم عن قواعدها العامة... ولكنهم
تتفاضل صناعاتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد وأبقاها على الدهر ... وترتيب
الحجرات والأبهاء،..و فنون من الزينة والزخرف يتفاوت الذوق
الهندسي فيها تفاوتًا بعيدًا.كذلك ترى أهل اللغة الواحدة يؤدون الغرض الواحد على
طرائق شتى يتفاوت حظها في الحسن والقبول، وما من كلمة من كلامهم ولا وضع من
أوضاعهم بخارج عن مواد اللغة وقواعدها في الجملة. ولكنه حسن الاختيار في تلك
المواد والأوضاع قد يعلو بالكلام حتى يسترعي سمعك، ويثلج صدرك، ويملك قلبك. وسوء
الاختيار في شيء من ذلك قد ينزل به حتى تمجه أذنك، وتغشى منه نفسك، وينفر منه
طبعك. (ص 89_90)
ما هو الجديد فى القرآن ليميز عن غيره من الكلام ؟
الجديد في
لغة القرآن أنه في كل شأن يتناوله من شئون القول يتخير له أشرف المواد، وأمسها
رحمًا بالمعنى المراد، وأجمعها للشوارد، وأقبلها للامتزاج، ويضع كل مثقال ذرة في
موضعها الذي هو أحق بها وهي أحق به، بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلا مرآته
الناصعة، وصورته الكاملة، ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين، وقراره المكين.
لا يومًا أو بعض يوم، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور، فلا المكان يريد بساكنه
بدلًا، ولا الساكن يبغي عن منزله حِوَلًا .. وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما
هو المثل الأعلى في صناعة البيان.
هذا مطلب له
دليله، وإجمال له تفصيله، وليس من قصدنا أن نعجلك الآن بالبحث في أدلته وتفاصيله،
وإنما أردنا أن نزيح عنك هذه الشبهة لتعلم أن ليس كل كلام عربي ككل كلام عربي (ص 92)
الرد على من يزعم أن عدم قدرة الناس على مجاراة أسلوب
القرآن ليس خصوصية للقرآن؛ لأن أسلوب كل قائل صورة نفسه ومزاجه فلا يستطيع غيره أن
يحل محله
كيف تعدون
عجزهم عنه آية على قدسيته وأنتم لا تعدون عجز كل امرئ عن الإتيان بأسلوب غيره آية
على أن ذلك الأسلوب صنع إلهي محض لا كسب فيه للذي جرى على لسانه؟ أليس هذا القياس
يسوغ لنا أن نفترض القرآن كلامًا بشريًّا كسائر كلام البشر، غير أنه اختص أسلوبه
بصاحبه كما اختص كل امرئ بأسلوب نفسه؟
وجوابنا
لهذا القائل أن نقول له أننا حين نتحدى الناس بالقرآن لا نطالبهم أن يجيئونا بنفس
صورته الكلامية، كلا، ذلك ما لا نطمع فيه، ولا ندعو المعارضين إليه، وإنما نطلب
كلامًا أيًّا كان نمطه ومنهاجه، على النحو الذي يحسنه المتكلم أيًّا كانت فطرته
ومزاجه، بحيث إذا قيس مع القرآن بمقياس الفضيلة البيانية حاذاه أو قاربه في ذلك
المقياس وإن كان على غير صورته الخاصة، فالأمر الذي ندعوهم إلى التماثل أو
المقاربة فيه هو هذا القدر الذي فيه يتنافس البلغاء، وفيه يتماثلون أو يتقاربون.
وذلك غير المعارض والصور المعينة التي لا بد من الاختلاف فيها بين متكلم ومتكلم. (ص 95 )
نظرتان في القشرة السطحية للفظ القرآن:
1- الجمال التوقيعي في توزيع حركاته وسكناته، ومداته
وغُنَّاته:
دع القارئ
المجود يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلًا بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلًا
بالقرآن على هوى نفسه. ثم انتبذ منه مكانًا قصيًّا لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن
تسمع حركاتها وسكناتها، ومداتها وغناتها، واتصالاتها وسكتاتها، ثم ألق سمعك إلى
هذه المجموعة الصوتية، وقد جردت تجريدًا وأرسلت ساذجة في الهواء. فستجد نفسك منها
بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جرد هذا التجريد، وجود هذا التجويد. ستجد
اتساقًا وائتلافًا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنه ليس بأنعام
الموسيقى ولا بأوزان الشعر، وستجد شيئًا آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر.
ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد الأوزان فيها بيتًا بيتًا، وشطرًا
شطرًا، وتسمع القطعة من الموسيقى فإذا هي تتشابه أهواؤها وتذهب مذهبًا متقاربًا.
فلا يلبث سمعك أن يمجها، وطبعك أن يملها، إذا أعيدت وكررت عليك بتوقيع واحد. بينما
أنت من القرآن أبدًا في لحن متنوع متجدد، تنتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل1 على
أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا
سأم. بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.
هذا الجمال
التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن، حتى الذين لا يعرفون لغة
العرب. فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟ (ص 103)
2- الجمال التنسيقي في رصف حروفه وتأليفها من مجموعات
مؤتلفة مختلفة:
فإذا ما
اقتربت بأذنك قليلًا قليلًا، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة،
فاجأتك منه لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها؛ هذا
ينقر وذاك يصفر، وثالث يخمس ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النفَس، وآخر يحتبس عنده
النفس. وهلم جرا، فترى الجمال اللغوي ماثلًا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة1 لا
كركرة ولا ثرثرة، ولا رخاوة ولا معاظلة، ولا تناكر ولا تنافر. وهكذا ترى كلامًا
ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية
وفخامتها برقة الحاضرة وسلاستها، وقدر فيها الأمر تقديرًا لا يبغي بعضهما على بعض.
فإذا مزيج منهما كأنما هو عصارة اللغتين وسلالتهما، أو كأنما هو نقطة الاتصال بين
القبائل، عندها تلتقي أذواقهم، وعليها تأتلف قلوبهم.
ومن هذه
الخصوصية والتي قبلها تتألف القشرة السطحية للجمال القرآني. وليس الشأن في هذا
الغلاف إلا كشأن الأصداف مما تحويه من اللآلئ النفيسة، (ص 103 :104 )
أسلوب القرآن المعجز
لسنا ندري
والله ماذا نقول لك في أسلوب معجز في وصفه، كما هو معجز في نفسه؟ غير أننا نقول
كلمة هي جملة القول فيه، وهي أنه "تلتقي عنده نهايات الفضيلة كلها على تباعد
ما بين أطرفها ( 108)
"القصد في اللفظ" و"الوفاء بحق
المعنى":
نهايتان كل
من حاول أن يجمع بينهما وقف منهما موقف الزوج بين ضرتين لا يستطيع أن يعدل بينهما
دون ميل ما إلى إحداهما:
فالذي يعمد
إلى ادخار لفظه وعدم الإنفاق منه إلا على حد الضرورة لا ينفك من أن يحيف على
المعنى قليلًا أو كثيرًا،.... حتى يخرجه ثوبًا متقلصًا يقصر عن غايته،
أو هيكلًا من العظم لا يكسوه لحم ولا عصب، ورب حرف واحد ينقص من الكلام يذهب بمائه
ورونقه، ويكشف شمس فصاحته، ورب اختصار يطوي الكلام طيًّا يزهق روحه ويعمي طريقه؛
ويرد إيجازه عِيًّا وإلغازًا. والذي يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى
عناصره؛ وإبراز كل دقائقه "بقدر ما يحيط به علمه وما يؤديه إليه إلهامه"
لا يجد له بدًّا من أن يمد في نفسه مدًّا؛ لأنه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي
صدره، ويؤدي عن نفسه رسالتها كاملة. فإذا أعطى نفسه حظها من ذلك لا يلبث أن يباعد ما
بين أطراف كلامه، ويبطئ بك في الوصول إلى غايته، فتحس بقوة نشاطك وباعته إقبالك
آخذتين في التضاؤل والاضمحلال...ولعل أمثل هؤلاء
طريقة من لو حذفت شطر كلامه لأغناك عنه
ثانى شطريه ! ( ص
109)
هل فى كلام الادباء والبلغاء ما هو فيه "القصد في اللفظ" و"الوفاء
بحق المعنى ؟ أن
البلغاء مهما أوجفوا من ركابهم ومهما
أجلبوا بخيلهم ورجلهم لا يبلغ الواحد منهم بعمله غاية أمله ... وآية
ذلك أنك تراه حين تعقب كلام نفسه في الفَيْنَة بعد الفينة يجد فيه زائدًا يمحوه،
وناقصًا يثبته؛ ويجد فيه ما يهذب ويبدل، وما يقدم أو يؤخر،... سل
العلماء بنقد الشعر والكلام: "هل رأيتم قصيدة أو رسالة كلها أو جلها معنى
ناصعًا، ولفظًا جامعًا، ونظمًا رائعًا"، لقد أجمعت كلمتهم على أن أبرع
الشعراء لم يبلغوا مرتبة الإجادة إلا في أبيات محدودة، من قصائد معدودة، وكان لهم
من وراء ذلك المتوسط والرديء، والغث والمستكره، وكذلك قالوا في الكتاب والخطباء،
والأمر فيهم أبين.
فإن سرك أن
ترى كيف تجتمع هاتان الغايتان على تمامهما بغير فترة ولا انقطاع، فانظر حيث شئت من
القرآن، تجد بيانًا قد قدر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحس فيه بتخمة الإسراف
ولا بمخمصة التقتير، ( ص 111:110)
وهل هناك أبلغ من القرآن ؟!
ضع يدك حيث
شئت من المصحف، وعد ما أحصته كفك من الكلمات عدًّا، ثم أحصِ عدتها من أبلغ كلام
تختاره خارجًا عن الدفتين، وانظر نسبة ما
حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك. ثم انظر: كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها
من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأية كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك؟
فكتاب الله تعالى -كما يقول ابن عطية: "لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب
لفظة أحسن منها لم توجد" بل هو كما
وصفه الله {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ
خَبِيرٍ} (ص 112)
أسلوب القرأن فى"خطاب العامة" و"خطاب
الخاصة":
وهاتان
غايتان أخريان متباعدتان عند الناس، فلو أنك خاطبت الأذكياه بالواضح المكشوف الذي
تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوًى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب، ولو أنك
خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا
تطيقه عقولهم، فلا غنى لك -إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظها كاملًا من بيانك-
أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى؛ كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب
به الرجال، فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء
والأغبياء، وإلى السوقة والملوك فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق
حاجته فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد يراه البلغاء
أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على
أفهامهم، ( ص 113)
أسلوب القرأن فى "إقناع العقل" و"إمتاع
العاطفة":
وفي النفس
الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها.
فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخرى فتسجل
إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين
الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة
الوجدانية معًا.فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس؟
لقد عرفنا
كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء ولا
هؤلاء إلا غلوًّا في جانب، وقصورًا في جانب. "فأما" الحكماء فإنما يؤدون
إليك ثمار عقولهم غذاءً لعقلك. ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك واختلاب عاطفتك.
فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم لا يأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبو عن
الطباع. "وأما" الشعراء فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار
الشعور من نفسك، فلا يبالون بما صوروه لك أن يكون غيًّا أو رشدًا؛ وأن يكون حقيقة
أو تخيلًا. فتراهم جادين وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويُطربون وإن
كانوا لا يَطربون ... فمن لك إذًا بهذا الكلام الواحد الذي يجيء
من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين. ومن المتعة
الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟
ذلك الله رب
العالمين، فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب
معًا بلسان. وأن يمزج الحق والجمال معًا يلتقيان ولا يبغيان. وأن يخرج من بينهما
شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت؛ ألا
تراه في فسحة قصه وأخباره لا ينسى حق
العقل من حكمة وعبرة؟
أوَ لا تراه
في معمعة براهينه وأحكامه لا ينشى حظ
القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير (ص 116)
أسلوب القرأن فى "البيان"
و"الإجمال":
وهذه عجيبة
أخرى تجدها في القرآن ولا تجدها فيما سواه. ذلك أن الناس إذا عمدوا إلى تحديد
أغراضهم لم تتسع لتأويل. وإذا أجملوها ذهبوا إلا الإبهام أو الإلباس. أو إلى اللغو
الذي لا يفيد. ولا يكاد يجتمع لهم هذان الطرفان في كلام واحد .. حتى
ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة
وجوهًا عدة. كلها صحيح أو محتمل كأنما هي فص من الماس يعطيك كل ضلع منه
شعاعًا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها وهذا مثل صغير: اقرأ
قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة البقرة:
الآية 312]. وانظر هل ترى كلامًا أبين من هذا في عقول الناس. ثم انظر كم في هذه
الكلمة من مرونة. فإنك لو قلت في معناها: إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب
يحاسبه، ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء، أصبت. ولو قلت:
إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد، أصبت. ولو قلت: إنه
يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر، ولا يحتسب، أصبت. ولو قلت: إنه يرزق بغير معاتبة
ومناقشة له على عمله، أصبت، ولو قلت: يرزقه رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر وحساب،
أصبت.(ص 117)
متى تفعل ان وجدت ايه لا تعلم تفسيرها او لم تعرف الحكمة
منها
فإن عمي
عليك وجه الحكمة في كلمة منه أو حرف فإياك أن تعجل كما يعجل هؤلاء الظانون؛ ولكن
قل قولًا سديدًا هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف. قل: "الله أعلم بأسرار كلامه،
ولا علم لنا إلا بتعليمه". ثم إياك أن تركن إلى راحة اليأس فتقعد عن استجلاء
تلك الأسرار قائلًا: أين أنا من فلان وفلان؟ .. كلا، فرب صغير مفضول قد فطن إلى ما
لم يفطن له الكبير الفاضل. ألا ترى إلى قصة ابن عمر في الأحجية المشهورة ؟ فجِدَّ
في الطلب وقل: رب زدني علمًا، فعسى الله أن يفتح لك بابًا من الفهم تكشف به شيئًا
مما عمي على غيرك. والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. ( ص 131)
" أسلوب
القرأن فى الكثرة" و"الوحدة":
فإن كنت قد
أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه، حيث الموضوع واحد بطبيعته،
فهلمَّ إلى النظر إلى السورة منه حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة، لترى من هذا
النظام ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز...
خذ بيدك
بضعة متون كاملة من الحديث النبوي كان التحديث بها في أوقات مختلفة، وتناولت
أغراضًا متباينة؛ أو خذ من كلام من شئت من البلغاء بضعة أحاديث كذلك. وحاول أن
تجيء بها سردًا لتجعل منها حديثًا واحدًا. من غير أن تزيد بينها شيئًا أو تنقص
شيئًا. ثم انظر: كيف تتناكر معانيها وتتنافر مبانيها في الأسماع والأفهام! وكيف
يبدو عليها من الترقيع والتلفيق والمفارقة ما لا يبدو على القول الواحد المسترسل! ( ص 146:145)
نظرة العرب
والبلغاء إلى القرآن
أما العرب
الذي تحداهم القرآن بسورة منه فلقد علمت لو أنهم وجدوا في نظم سورة منها مطمعًا
لطامع، بله مغمزًا لغامز، لكان لهم معه شأن غير شأنهم. وهم هم.
وأما
البلغاء من بعدهم فما زلنا نسمعهم يضربون الأمثال في جودة السبك وإحكام السرد بهذا
القرآن حين ينتقل من فن إلى فن. (ص153)
أنظر إلى إى سورة كاملة بعين الإنصاف ستجدها متناسقه رغم
اخلاف مواضيعها ووو
وأما أنت
فأقبل بنفسك على تدبر هذا النظم الكريم لتعرف بأي يد وضع بنياته؟ وعلى أي عين صنع
نظامه؟ حتى كان كما وصفه الله {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}
اعمد إلى
سورة من تلك السور التي تتناول أكثر من معنى واحد وما أكثرها في القرآن، فهي
جمهرته -وتنقل بفكرتك معها مرحلة مرحلة، ثم ارجع البصر كرتين: كيف بدئت؟ وكيف
ختمت؟ وكيف تقابلت أوضاعها وتعادلت؟ وكيف تلاقت أركانها وتعانقت؟ وكيف ازدوجت
مقدماتها بنتائجها ووطئت أولاها لأخرها؟ ..
وأنا لك زعم
بأنك لن تجد البتة في نظام معانيها أو مبانيها ما تعرف به أكانت هذه السورة قد
نزلت في نجم واحد أم في نجوم شتى...
أجل، إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة
يحسبها الجاهل أضغاثًا من المعاني حشيت حشوًا، وأوزاعًا من المباني جمعت عفوًا؛
فإذا هي -لو تدبرت- بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم
على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول؛ فلا تزال
تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة
واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال
في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى
بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضامِّ والالتحاق. كل ذلك بغير تكلفة ولا استعانة
بأمر من خارج المعاني أنفسها، وإنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرض
ومقطعه وأثنائه، يريك المنفصل متصلًا، والمختلف مؤتلفًا. ( ص 155:154)
العاقل المنصف سيعترف ان القرآن كلام الله وليس كلام
الرسول او غيره
سبحان الله!
هل يمتري عاقل في أن هذا العلم البشري؛ وأن هذا الرأي الأنف البدائي الذي يقول في
الشي: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لقلت أو فعلت، ولقدمت أو أخرت" لم
يك أهلًا لأن يتقدم الزمان ويسبق الحوادث بعجيب هذا التدبير؟ أليس ذلك وحده آية
بينة على أن هذا النظم القرآني ليس من وضع بشر، وإنما هو صنع العليم الخبير؟ بلى؛
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}
(ص 157)
خلاصة أسرار سورة البقرة
الدكتور دراز بعد تفسيره سورة البقرة كاملة تفسير موضوعى بلاغى قال :
تلك هي سورة
البقرة .. أرأيت وحدتها في كثرتها؟ أعرفت اتجاه خطوطها في لوحتها؟ أرأيت كيف
التحمت لبناتها من غير ملاط يمسكها، وارتفعت سماؤها بغير عمد تسندها؟ أرأيت كيف
انتظم من رأسها وصدرها وأحشائها وأطرافها، لا أقول أحسن دمية، بل أجمل صورة حية.
كل ذرة في خليتها، وكل خلية في عضوها، وكل عضو في جهازه، وكل جهاز في جسمه، ينادي
بأنه قد أخذ مكانه المقسوم، وفقًا لخط جامع مرسوم، رسمه مربي النفوس ومزكيها،
ومنور العقول وهاديها، ومرشد الأرواح وحاديها .. فتالله لو أن هذه السورة رتبت بعد
تمام نزولها، لكان جمع أشتاتها على هذه الصورة معجزة، فكيف وكل نجم منها -كسائر
النجوم في سائر السور- كان يوضع في رتبته من فور نزوله، وكان يحفظ لغيره مكانه
انتظارًا لحلوله؛ وهكذا كان ما لم ينزل منها معروف الرتبة محدد الموقع قبل أن
ينزل؟ ثم كيف وقد اختصت من بين السور المنجمة بأنها حددت مواقع نجومها لا قبل
نزولها بعام أو بعض عام، بل بتسعة أعوام؟ ( ص 210)
القرآن كله معجزات
لعمري لئن
كانت للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات، وفي أساليب تربيته معجزات، وفي نبوءاته
الصادقة معجزات، وفي تشريعاته الخالدة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم
النفسية والكونية "معجزات" ومعجزات، لعمري إنه في ترتيب آية على هذا
الوجه لهو معجزة المعجزات! (
211)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تم تلخيص الكتاب بفضل الله وتوفيقه
وواضح من الكتاب ان المؤلف مات قبل ان يكمل كل مواضيعه
كما ذكر اسمه من الاعجاز العلمى والاعجاز الاصطلاحى وغيره
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق