الأحد، 11 أكتوبر 2015

رساله لمن يلعن الظلام


 رسالة إلى من يلعن الظلام


أخي الحبيب في الله، يا مَن تلعن الظلام:


هذه رسالة ناصحة، صادقة، تنبع من قلبٍ يحب لك الخير، قبل أن تُكتب بحبر القلم.

أكتبها لأُحذّرك من عاقبة طريقٍ لا يُثمر إلا الإحباط واليأس. وقديمًا قالوا: “من حذّرك فقد بشّرك”.

وأنا أحسن الظن بك، وأراك – والله حسيبك – محبًّا للدين، مخلصًا، غيورًا على الحق.


ولكن دعني أكون صريحًا معك:

النية الطيبة وحدها لا تكفي!

ولا الإخلاص وحده يكفي!

ولا الغيرة وحدها تكفي!

بل لا بد أن تُقرن هذه الأمور بـالعلم، واتباع منهج صحيح.


نعم، نحن نعيش في زمن كثر فيه الظلام والفتن، لكن هل لعن الظلام سيبدده؟

هل سيجلب لنا النور؟

هل هو الحل لتغيير الواقع؟

وهل ترى بعينٍ واحدةٍ، فلا ترى إلا السوء؟

ألا تعلم أن ما تراه إنما هو بتقدير الله؟

قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]،

وقال أيضًا: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35].


وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم:

“والخير كله بيديك، والشر ليس إليك” [رواه مسلم].

فالله عز وجل لم يُقدّر شرًّا محضًا، وإنما في كل قدر حكمة ورحمة، وإن خفيت عنا.


أخي، من يسبّ الزمان أو الدهر فقد وقع في كبيرة، كما جاء في الحديث القدسي:

“لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر” [رواه مسلم].


ومن قال: “هلك الناس”، فهو أهلكهم، كما في الحديث الصحيح.

فلا تعمم الشر، ولا تنشر السلبية، ولا تكن سببًا في إشاعة اليأس.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

“تكلّم عن الخير ينتشر، واسكت عن الشر يندثر”.


فاسأل نفسك:

هل نظرتَ في عيوبك قبل أن تُبصر عيوب الناس؟

هل أصلحت نفسك قبل أن تطلب إصلاح غيرك؟

هل انشغلت بما ستُحاسَب عليه؟

قال بعض السلف لرجل كان يسبّ الحجاج:

“أيحزنك يوم القيامة ذنبك، أم ذنب الحجاج؟”

فقال: “ذنبي”،

فقال له: “فاشتغل بما يُحزنك!”.


أخي، لعن الظلام ليس حلًّا.

لكن الحل أن تُوقد شمعة، أن تصنع شيئًا، ولو بسيطًا، في طريق النور.


ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعيش في زمن الأصنام والجاهلية؟

ومع ذلك لم ييأس، بل بدأ بدعوته بصبر ويقين، فبنى حضارة، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور.


ألم يُسجن ابن تيمية؟

لكنه لم يلعن الظلام، بل جعل سجنه مدرسة علم، وكتب فيه أشهر كتبه.


فلماذا لا تكون مثلهم؟

لا تقل: “لستُ عالمًا”، فكلٌّ يُؤدي ما يستطيع.

ولا تقل: “لستُ حاكمًا”، فأنت ملك على نفسك، مسؤولٌ عن نفسك وأهلك.


وقديمًا قالوا:

“أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تُقم لكم في أرضكم.”


ولا تقل: “لن أغيّر شيئًا”،

بل غيّر ما تستطيع، وسل الله التوفيق.


وختامًا:

إن ظللت تلعن الظلام، فمن الذي سيُشعل الشموع؟

أتنتظر جرجس؟ أم بطرس؟

اعلم أن أصغر شمعة تُضيء أكبر ظلام!


قال ابن القيم رحمه الله:

“يا لَهُ من دينٍ لو أن له رجالًا!”


فهؤلاء قد غيّروا، فماذا ستُغيّر أنت؟

هؤلاء قد قدّموا، فماذا ستُقدّم أنت؟

هؤلاء قد أوقدوا الشموع، فلا تكن سببًا في إطفائها!


كن يوسف هذه الأحلام، واستعن بالله، ولا تعجز.

واصدق الله، يصدقك.


أسأل الله لي ولك الهداية والتوفيق والسداد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته